العرف التأميني في القانون المدني
يُعد العرف التأميني من المصادر التكميلية الهامة في تنظيم عقد التأمين، حيث يُرجع إليه في حال غياب نص صريح في القانون أو في وثيقة التأمين. وقد أقرّ القانون المدني المصري في المادة الأولى مبدأ الرجوع إلى العرف لتفسير العقود واستكمال ما سكتت عنه النصوص، بشرط ألا يخالف النظام العام أو النصوص الآمرة. ويتمثل العرف التأميني في السوابق العملية المستقرة بين شركات التأمين والمؤمن لهم، مثل أساليب سداد الأقساط، أو مهلة السماح، أو أسلوب التعامل مع التأخير في الدفع، أو المعايير الفنية في تقدير الخطر. ويكتسب العرف قوته من تكرار تطبيقه وثبات العمل به في الأوساط التأمينية، حتى أصبح محل اعتماد وتوقع من أطراف العقد. ويؤدي هذا العرف دورًا مهمًا في تحقيق الاستقرار والوضوح في العلاقات التأمينية، لا سيما في المسائل الفنية التي يصعب تنظيمها تفصيليًا في القانون العام.
وقف سريان التأمين :
يُقصد بوقف سريان التأمين تعليق مفعول التغطية التأمينية مؤقتًا، بحيث لا تلتزم شركة التأمين بتعويض المؤمن له عن أي خطر يقع خلال فترة التوقف، وذلك نتيجة لإخلال المؤمن له بالتزام جوهري، وعلى رأسه عدم دفع القسط في الميعاد المحدد. ويُعد هذا الوقف من الجزاءات التي نص عليها القانون أو وثيقة التأمين لحماية شركة التأمين من تحمل التزامات دون مقابل.
ولا يترتب هذا الأثر إلا بعد إنذار المؤمن له أو إعذاره قانونًا، ما لم يُنص صراحة في الوثيقة على إعفاء المؤمن من الإعذار. وإذا دفع المؤمن له القسط بعد ذلك، يعود العقد لسريانه من اليوم التالي للدفع، دون أثر رجعي. أما إذا لم يتم الدفع خلال المهلة، فقد يتحول الوقف إلى فسخ نهائي للعقد. ويُشكل وقف السريان وسيلة ضغط قانونية لحث المؤمن له على الوفاء بالتزاماته، مع الحفاظ على التوازن العقدي بين الطرفين.
أثر الوقف :
يؤدي وقف سريان التأمين إلى تعليق التزامات شركة التأمين مؤقتًا، بحيث لا تكون مسؤولة عن تغطية أي خطر يقع خلال فترة الوقف، حتى لو كان الخطر داخلاً في نطاق العقد. ويترتب على ذلك أن يفقد المؤمن له الحماية التأمينية طوال مدة التوقف، ولا يُطالب المؤمن بأي تعويض عن الحوادث التي تقع خلالها.
ويُعد هذا الأثر نتيجة مباشرة لعدم وفاء المؤمن له بالتزامه بدفع القسط أو أحد أقساطه في الموعد المتفق عليه. ولا يُستأنف سريان العقد إلا إذا قام المؤمن له بسداد القسط خلال المهلة المحددة، وفي هذه الحالة يعود العقد إلى النفاذ من اليوم التالي للدفع، دون أثر رجعي عن فترة الوقف. ويُحقق هذا النظام نوعًا من التوازن بين مصلحة شركة التأمين في الحصول على القسط، ومصلحة المؤمن له في استعادة التغطية عند زوال سبب الوقف.
إنتهاء الوقف :
ينتهي وقف سريان التأمين تلقائيًا بسداد القسط أو الجزء المتأخر منه الذي تسبب في الوقف، ويترتب على ذلك استئناف مفعول التغطية التأمينية من اليوم التالي للدفع، دون أثر رجعي عن فترة التوقف. ويعني ذلك أن الأخطار التي وقعت خلال فترة الوقف تظل غير مغطاة، أما الأخطار التي تقع بعد انتهاء الوقف فتعود الشركة إلى تحملها وفقًا لشروط العقد.
ويشترط لانتهاء الوقف أن يتم الدفع خلال المهلة المحددة قانونًا أو المتفق عليها في وثيقة التأمين، أما إذا انقضت المهلة دون سداد، فإن الوقف يتحول إلى فسخ نهائي للعقد دون حاجة إلى إجراء إضافي. ويُعد انتهاء الوقف ضمانة للمؤمن له لإعادة التغطية التأمينية، ويُحفّزه على الوفاء بالتزاماته في الوقت المحدد حفاظًا على استمرارية الحماية التأمينية.
أثر إنتهاء الوقف :
يترتب على انتهاء وقف سريان التأمين استعادة العقد لفعاليته وسريان التغطية التأمينية من جديد، وذلك من اليوم التالي لسداد القسط المتأخر الذي أدى إلى الوقف. ويعني ذلك أن شركة التأمين تصبح من جديد مسؤولة عن تغطية الأخطار المؤمن منها التي تقع بعد انتهاء الوقف، وفقًا لشروط الوثيقة.
أما الأخطار التي وقعت خلال فترة الوقف، فلا تُغطيها الشركة، ويظل المؤمن له غير مستحق لأي تعويض عنها. ولا يكون لانتهاء الوقف أثر رجعي، أي أن الفترة التي كان فيها العقد موقوفًا تظل خارج نطاق الحماية. ويُعد هذا الأثر تجسيدًا للتوازن بين حقوق الطرفين: فالمؤمن له يستعيد التغطية بمجرد الوفاء، بينما تحتفظ شركة التأمين بحقها في عدم تغطية الأخطار التي وقعت أثناء إخلال المؤمن له بالتزامه.
الفسخ أو التنفيذ العيني :
إذا أخلّ أحد طرفي عقد التأمين بالتزام جوهري، وعلى الأخص التزام المؤمن له بدفع القسط، فإن للمؤمن – بحسب القواعد العامة في القانون المدني – أن يطلب إمّا فسخ العقد، أو تنفيذه عينًا، وذلك وفقًا لما تقتضيه مصلحته.
فالفسخ يؤدي إلى إنهاء العقد واستبعاد آثاره بالنسبة للمستقبل، وقد يكون بأثر رجعي في بعض الحالات، بينما يظل التنفيذ العيني ممكنًا إذا تمسك المؤمن ببقاء العقد وطالب المؤمن له بأداء ما عليه، خاصة إن كان الخطر لم يقع بعد. ويُعد الخيار بين الفسخ والتنفيذ العيني تطبيقًا لمبدأ سلطان الإرادة، ويخضع لتقدير القاضي عند وجود نزاع، مع مراعاة حسن النية وتوازن المصالح بين الطرفين.
لا يجوز الإيقاف في التأمين على الحياة :
يتميّز التأمين على الحياة بخضوعه لقواعد خاصة تميّزه عن باقي أنواع التأمين، ومن أبرز هذه القواعد أنه لا يجوز إيقاف سريان التأمين بسبب عدم دفع القسط، خلافًا لما هو معمول به في التأمين من الأضرار.
فالمشرّع راعى الطبيعة الاجتماعية والإنسانية لهذا النوع من التأمين، فلا يسمح بتعليق التغطية أو وقف العقد بمجرد التأخير في سداد القسط. وبدلاً من الوقف، تُنظّم الوثيقة – في الغالب – وسائل بديلة، مثل تخفيض مبلغ التأمين أو تحويل العقد إلى مدفوع بالكامل بحسب الأقساط المسددة.
كما قد تمنح وثيقة التأمين على الحياة مهلة سماح محددة لسداد القسط دون أن تتأثر التغطية. ويعكس هذا الحكم حرص القانون على حماية حقوق المستفيدين وضمان استقرار التزامات شركة التأمين، خاصة في العقود طويلة الأجل المرتبطة بحياة الإنسان وأمنه الاجتماعي.
جواز تحلل المؤمن له من الإلتزام بدفع الأقساط :
في التأمين على الحياة وبعض أنواع التأمين طويل الأجل، يجوز للمؤمن له، في حالات معينة، أن يتحلل من الالتزام بدفع الأقساط المستقبلية، وذلك إما عن طريق فسخ العقد بإرادته المنفردة، أو بطلب تحويل العقد إلى تأمين مدفوع بالكامل إذا كانت الوثيقة تتيح ذلك.
ويشترط أن يكون المؤمن له قد سدد عددًا معينًا من الأقساط يسمح بتكوين قيمة ادخارية أو احتياطية داخل العقد. وفي هذه الحالة، لا يُجبر على الاستمرار في الدفع، بل يُخفَّض مبلغ التأمين أو يُعدل شكل التغطية، مع احتفاظه ببعض المزايا التأمينية حسب ما تسمح به شروط الوثيقة. ويُعد هذا الحكم تجسيدًا للطابع الادخاري والاجتماعي لعقود التأمين على الحياة، إذ يمنح المؤمن له مرونة في إدارة التزاماته المالية دون أن يُحرم تمامًا من التغطية التي حصل عليها.
التوقف عن دفع الأقساط حق شخصي :
عد التوقف عن دفع الأقساط في بعض أنواع التأمين، وبخاصة في التأمين على الحياة، من الحقوق الشخصية للمؤمن له، يمارسها بإرادته المنفردة دون حاجة إلى موافقة شركة التأمين، متى توفرت الشروط التي تسمح بذلك في الوثيقة.
فبما أن المؤمن له هو الطرف الملتزم بسداد الأقساط، فإنه يملك حرية العدول عن الاستمرار في العقد، سواء بطلب فسخه، أو بتركه دون دفع مزيد من الأقساط، وفقًا للنظام القانوني للعقد.
ولا يُعد هذا التصرف إخلالًا أو خطأ يُرتب جزاءً، بل يُمارَس باعتباره حقًا مشروعًا، بشرط ألا يترتب عليه الإضرار بالمؤمن أو إخلال بشروط خاصة. ويترتب على هذا التوقف آثار قانونية تحددها الوثيقة، كتحويل العقد إلى تأمين مخفّض أو مدفوع بالكامل، مما يضمن استمرار بعض المزايا للمؤمن له أو المستفيدين رغم توقف الدفع.
محمد منيب المحامي / أفضل محامي قضايا مدني في مصر
13 شارع الخليفة من شارع الهرم ناصية فندق الفاندوم، بجوار السجل المدنى، الهرم، الجيزة.
📞 للاستفسار أو الحجز خدمة العملاء: 01006321774